منتديات عراق ال الصدر
اهلا وسهلا بك في منتديات (احباب الصدر المقدس)
نـدعوك لتسجيل معنى لتكون فردا في عائلتنا
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

نهج الصدر
المواضيع الأخيرة
» عليكم بحق شيبة المولى المقدس دخلون
الإثنين يونيو 17, 2013 10:33 pm من طرف زائر

» من أقوال السيد الشهيد محمد باقر الصدر ( قدس سره ) + صور السيد الشهيد محمد باقر الصدر
الأربعاء نوفمبر 14, 2012 5:08 am من طرف مصطفى الشمري

» مخاطر الاسبرين
الإثنين نوفمبر 05, 2012 5:44 am من طرف صدرية الولاء

» التغذية قبل الدواء
الإثنين نوفمبر 05, 2012 5:39 am من طرف صدرية الولاء

» فوائد الفواكه
الإثنين نوفمبر 05, 2012 5:34 am من طرف صدرية الولاء

» @@ صلاة المغرب @@
الإثنين نوفمبر 05, 2012 5:20 am من طرف صدرية الولاء

» ** ((تعقيبات صلاة العصر ))**
الإثنين نوفمبر 05, 2012 5:16 am من طرف صدرية الولاء

» تعقيبات صلاة الظهر ** ^^**
الإثنين نوفمبر 05, 2012 5:08 am من طرف صدرية الولاء

» تعقيبات صلاة الصبح
الإثنين نوفمبر 05, 2012 5:02 am من طرف صدرية الولاء

تصويت
نوفمبر 2018
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
   1234
567891011
12131415161718
19202122232425
2627282930  

اليومية اليومية

مركز رفع الصور والملفات
عدد الزوار
تواضل معنى على الفيس بوك

التقد الجذري للفكر الغربي وطرح الفكر الاسلامي حسب كتابات السيد باقر الصدر

اذهب الى الأسفل

k التقد الجذري للفكر الغربي وطرح الفكر الاسلامي حسب كتابات السيد باقر الصدر

مُساهمة من طرف صدرية الولاء في الأحد أكتوبر 21, 2012 7:36 am



النقد الجذري للفكر الغربي وطرح البديل الإسلامي
إنّ نقد الشهيد لفكرة التوفيق بين الاسلام والرأسمالية، أو بين الإسلام والاشتراكية، لم يبرز من خلال نموذج صراعي محض، بل انطلق من نقد عميق للحضارة الغربية كحقل نظري لكلّ من النظامين الرأسمالي والاشتراكي.
وهكذا فالصراع بين الفكر الاسلامي والفكر الغربي كما يطرحه الشهيد، ليس مجرّد صراغ انفعالي وعاطفي، بل هو صراع عن طريق القيم والمفاهيم انطلاقاً من رؤية إلى الكون والانسان والتاريخ.
إنّ الفكر المحدث في العالم الاسلامي يشبه، من بعض الوجوه، الفلسفة الاسلامية القديمة. فإذا كانت هذه الأخيرة قد انبهرت بالفلسفة اليونانية، وانتهت إلى اخضاع الدين الاسلامي لمقولات الفلسفة اليونانية. فإنّ الفكر المحدث في العالم الاسلامي قد انطلق في موقفه من الفكر الغربي من نفس الموقع الأبستمولوجي(1): يحلل الفكر الاسلامي والمجتمع الاسلامي وصيرورته من خلال النسق المعرفي والقيمي الغربي. الشيء الذي جعل الفكر المحدث فكراً تابعاً ونخبوياً عقيماً لا علاقة له بالشعوب الاسلامية، التي تكوّن المادة الخام لكلّ تنظير.
الاجتهاد كأداة للمعرفة في مقابل الوضعية
أما الفكر الاسلامي كما طرحه الشهيد فهو، بحكم اعتماده على الاجتهاد، كأداة معرفية وشرعية، لاستيعاب حركة التاريخ وتوجيهها، ولاستيعاب ثقافات الشعوب ومواجهة المستجدات، مؤهل لصياغة طريق جديد ـ غير الطريق الرأسمالي أوالاشتراكي ـ للتنمية والتقدم.
فالاجتهاد بمعناه الواسع هو الإطار الذي صاغ الشهيد ضمنه نقده للفكر الغربي، كما صاغ ضمنه،كذلك،الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي.
لقد لجأ الشهيد إلى إطار مفهومي وقيمي وفّر له الامكانيات، التي تحرّر الفكر الاسلامي من سجن الوضعية وغياب البعد الروحي من النظام المعرفي.
فالشهيد يرى في هذا السياق أنّ صياغة الرؤية الاجتماعية ـ السياسية الاسلامية لا يمكن أن تبرز إلى الوجود بمجرد تصحيحات للنظام الاشتراكي، أو بمجرّد التلفيق بين الاشتراكية والرأسمالية. يرى الشهيد أنّ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي لا يمكن صياغته إلا نتيجة لثورة على صعيد القيم والمفاهيم تنبع من القرآن الكريم والسنة الشريفة. ومعنى هذا أنّ الرؤية الاجتماعية ـ السياسية الاسلامية يلازمها نموذج معرفي يختلف جذرياً عن مسلمات وبديهات النموذج المعرفي المؤسس على الوضعية.
النظامان الرأسمالي والاشتراكي ينبعان، بالنسبة للشهيد، من مصدر واحد: الوضعية. فكلّ محاولة توفيق بين الاسلام وأحد هذين النظامين معناه ادماج الاسلام في الرؤية الوضعية لحركة التاريخ.
وهكذا بينّ الشهيد أن نشاط الفكر الاسلامي من خلال النموذج المعرفي للفكر الغربي يؤدي إلى التلفيق والتكرار بدلا من الابداع والابتكار اللذين يحتاج إليهما العالم اليوم.
إنّ فكر الشهيد كمحاولة للبحث خارج الرؤية الغربية للمجتمع والتاريخ. أي البحث عن نموذج
_______________________________
1- الابتسمولوجيا: معناه الاشتقاقي علم العلم. فهذا المفهوم يعني لدى الدارسين: الشروط التي تساهم في انتاج المفاهيم في علم من العلوم.
[27]
إسلامي للاقتصاد وللتطور، هي محاولة لها مشروعيتها المنهجية والعلمية ومتطلباتها الواقعية والتاريخية.
بالنسبة للشهيد، كلّ المفاهيم التي تتم صياغتها من منظور وضعي هي تعبير عن رؤية الخطإ والانحراف. فالنموذج الحضاري الاسلامي ومرتكزاته النظرية في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة لا يمكن أن يستخرج من مجرّد عملية تركيبية بين الرأسمالية والاشتراكية، بل يبرز إلى الوجود نتيجة لعملية تصحيحية جذرية للخلفية الفلسفية، التي يرتكز عليها الفكر الغربي، لتشمل بعد ذلك المفاهيم الاقتصادية والسياسية والثقافية.
وهكذا، فموقف الشهيد في هذا المجال بين لنا أنه انطلق ـ في صياغته للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي ـ من موقع البحث عن الرؤية الاسلامية، لأنّ نشاط الفكر من خلال المرتكزات المنهجية والفلسفية للفكر الغربي لن ينتهي إلا إلى مسلمات وبديهيات الفكر الغربي، ولن يتحرر الفكر الاسلامي من القيم والمفاهيم، التي تقف عائقاً أمام تحرر الرأسمالية والاشتراكية من الأزمة ذات الأبعاد المعرفية والانسانية والأخلاقية.
فالرؤية الاسلامية للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وللتاريخ ينبغي، حسب منهجية الشهيد السيد محمد باقرالصدر، أن تتم في اطار نظري مختلف اختلافاً جذرياً عن الإطار النظري، الذي صيغت ضمنه المذاهب الاجتماعية والسياسية الغربية، وبعبارة أخرى: إنّ صياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي لاتتم باللجوء إلى الفكر الغربي، بل باللجوء إلى النص وواقع الأمة وتاريخها.
الطعنة النجلاء في قلب الماركسية
ومن هذا المنظور انتقد الشهيد النزعة الاجتماعية والنزعة التاريخية كأساس للفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي على العموم والفكر الماركسي على الخصوص، وذلك ضمن نقده للمادية التاريخية:
«وبالرغم من وصول الماركسية إلى هذه النتيجة، في تحليلها الاجتماعي، أبت أن تطبق هذه النتيجة على نظريتها التاريخية نفسها. فنادت المادية التاريخية كحقيقة مطلقة، وأعلنت عن قوانينها الصارمة، بوصفها القوانين الأبدية، التي لا تقبل التغيير والتعديل، ولا يصيبها شيء من عطل أوعجز في المجرى التاريخي الطويل للبشرية. حتى كان المفهوم الماركسي للتاريخ، نقطة انتهاء للمعرفة البشرية كلّها. ولم تكلف الماركسية نفسها، أن تتساءل: من أين نشأ هذا المفهوم الماركسي؟ أوأن تخضعه لنظريتها العامة في المعرفة.
ولوكلفت الماركسية نفسها شيئاً من ذلك ـ كما يحتمه الحساب العلمي ـ لاضطرت إلى القول: بأنّ المادية التاريخية، بوصفها نظرية معينة، قد انبثقت من خلال العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. فهي ككل نظرية أخرى، نابعة من الظروف الموضوعية التي تعيشها.
وهكذا نجد، كيف أنّ المادية التاريخية تحكم على نفسها، من ناحية أنها تعتبر كلّ نظرية انعكاساً محدوداً للواقع الموضوعي الذي تعيشه. ولا تعدوهي بدورها أيضاً، أن تكون نظرية قد تبلورت في ذهن انساني عاش ظروفاً اجتماعية واقتصادية معينة. فيجب أن تكون انعكاساً محدوداً لتلك الظروف ومتطوِّرة تبعاً لتطورها، ولا يمكن أن تكون هي الحقيقة للتأريخ»(1).
وهكذا بيّن الشهيد أن الفكر الاجتماعي ـ السياسي الغربي هو مجرّد انعكاس سلبي لمؤثرات ظرفية أو
_______________________________
1- اقتصادنا: 65.
[28]
لمرحلة تاريخية معينة. فنسبيته نسبية انعكاس لأوضاع معينة، وليست نسبية كتلك التي تلازم الفكر العلمي وتجعله منفتحاً وقابلا للتطور.
الثابت والمتغير النص والاجتهاد
أما الفكر الاجتماعي ـ السياسي كما طرحه الصدر فهويتمتع بالقوة التي تؤهله لعدم الاهتزاز أمام تحديات الواقع وحركة التاريخ، لأنه فكر مبني على العلاقة بين المطلق والنسبي، بين الثوابت والمتغيرات، بين النص والاجتهاد. فهوفكر يعي، منذ البداية، متغيراته وثوابته.
فالاسلام يحلّ المعادلة الصعبة التي انهزمت أمامها كلّ الفلسفات المتمثلة في العلاقة بين المتغير والثابت. يحلّها عن طريق منهجية صاغها المفكّرون المسلمون بفضل ارشادات ربانية. هذه المنهجية هي الاجتهاد.
فالشهيد عندما صاغ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي، صاغه من موقع المجتهد، وانطلاقاً من مفاهيم الاجتهاد حول الثوابت والمتغيرات. فهولا يفكر خارج التاريخ بل بالتاريخ، لكن دون أن يسقط في فخ النزعة التاريخية، لأن الفكر الاجتماعي ـ السياسي مرتبط بالنصّ لا بالواقع أوبالتاريخ فحسب.
إنّ طريق صياغة الفكر الاسلامي المحقق لانتصار الأمة ونهضتها هوالطريق الذي تتم فيه صياغة هذا الفكر حسب شروط الدين أي من موقع الاجتهاد وعلاقة الفكر بالنص من حيث هي علاقة النسبي بالمطلق. أما الطريق الذي تستنبطه عقلانية الانسان المنفصلة عن اللّه تعالى فهودائماً طريق خاطئ يزيد في انحطاط الأمة.
اللاواقعية واللاعقلانية صفتان ملازمتان للفكر الغربي بحكم عدم ارتباطه بالمطلق، وفصله الرؤية الاجتماعية ـ السياسية عن أبعادها الميتافيزيقية.
وعلى العكس من ذلك فإنّ خصائص الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي من الناحية المنهجية والمعرفية تتمثل في العلاقة بين العقل والدين والواقع. وتتمثل من ناحية الهدف في العمل على تجسيد متطلبات خلافة الانسان للّه في الارض.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي يسعى، بحكم هذه الخصائص، إلى صياغة منهجه للتغير حسب متطلبات الاسلام ومتطلبات الواقع شريطة أن تخضع هذه الأخيرة لمبدإ إعادة الاسلام إلى أرض الواقع، أي تكييف هذا الأخير حسب متطلبات الشريعة.
وهذا ما يجعل الفكر الاجتماعي السياسي الاسلامي يحتوي الواقع كلّه، لأنه يستقطب كلّ مواقع التصور الانساني على أساس المنهج والهدف اللذين يرتكز عليهما هذا الفكر.
ولهذا فنقد الشهيد السيد محمد باقر الصدر للاشتراكية والرأسمالية كان من موقع النموذج الحضاري الاسلامي، لا من موقع التوفيق بين الاسلام والفكر الغربي. فتحليله يجمع بين رفض الماركسية والرأسمالية في مجال الاقتصاد والاجتماع والسياسة من موقف معرفي يسعى إلى البحث خارج الطرح البشري للمسألة الاجتماعية والسياسية.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي هوإذن ـ بحكم مرجعيته ـ عقيدة إسلامية على مستوى المفاهيم (ومن هنا شعور المسلمين بالالتزام تجاه هذه المفاهيم).
إن مسار الفكر الاجتماعي ـ السياسي، كما طرحه الشهيد، يتّجه نحوالابداع، لأنّه وضع نفسه في موقع متحرر وناقد لنموذج التفكير الاجتماعي ـ الغربي.
شبهة وردّها
[29]
قد يقال: بأنّ فكرة التوجيه في الحياة الاقتصادية والعقلنة، وإعطاء أهمية للمبادرات الفردية في إدارة الاقتصاد هي خصائص غربية واضحة، ولا يعطي الاستشهاد الدائم بالقرآن الكريم والسنة الشريفة والأحكام الفقهية المشروعية ـ الاسلامية لهذه الخصائص.
لاشك أنّ بعض الجوانب والعناصر قد تكون مشتركة بين كلّ الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية. إلا أنّ هذه العناصر تتشكل حسب المجموعة التي تنتمي إليها وحسب نسق العلاقات، التي تربطها مع العناصر الأخرى ومع القاعدة التي يرتكز عليها النظام الاقتصادي والاجتماعي، وهي العقيدة الاسلامية بالنسبة للفكر الاجتماعي الاسلامي، وما تنتجه هذه العقيدة من مفاهيم وقيم ونظرة إلى الكون والانسان تنعكس على نفسية الأفراد وعلى العلاقات الاجتماعية بشكل يجعل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تتخذ مساراً له خصوصيته، ولا يشبهه مسار الأنظمة المرتكزة على الوضعية(1).
وعلى هذا النحو لم يعد معيار النشاط الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية معياراً من خارج المواقع فحسب (المصدر الالهي للقيم والمفاهيم في مجال الحياة الاجتماعية ـ السياسية)، وإنما معيار يلتقي مع قانون موضوعي لتطور الواقع(ذهنية إنسان العالم الاسلامي وتطلعه إلى تجسيد متطلبات الشرعية في الواقع الحي). فهنا يلتقي الشرع مع الواقع ولا يتناقض معه(2).
وهكذا فالاسلام والواقع (الحقل النظري المتمثل في الأمة) يوفّران الأرضية لصياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي. فالأمة تملك الاستعداد على الصعيد الذهنيوالنفسي لممارسة المفاهيم الاجتماعية ـ السياسية الاسلامية، ولعملية التغيير التاريخي حسب متطلبات الاسلام.
فنقد الشهيد للفكر الغربي جعل هذا الأخير معطى نسبياً، وأوضح التناقض الذي ينتج عن كلّ محاولة لنقل البناء الثقافي والفكري الغربي إلى العالم الاسلامي.
من الدفاع إلى الهجوم
لقد نقل الشهيد مواجهة الفكر الغربي من موقف الاستسلام والرفض الهزيل إلى موقف النقد، وطرح البديل الاسلامي في ميدان الفكر الاجتماعي ـ السياسي على العموم وميدان العلوم الاجتماعية على الخصوص، يقول السيد محمد حسين فضل الله:
«السيد محمّد باقر الصدر الذي كان فكره وقلمه يمثلان النقلة المتقدمة لحركة الاتجاه الاسلامي الراشد، قد كتب في تلك الفترة كتاب فلسفتنا، الذي يعتبر بحق الكتاب الذي نقل الصراع مع الشيوعيين من أسلوب الغوغاء إلى أسلوب الفكر العلمي، مما يعطي الانطباع بأنّ الاتجاه الاسلامي الجديد لا يتحرك في مواجهته للشيوعية من المواقع السياسية الموجهة لمصلحة الغرب، بل يتحرك من موقع الايمان بأنّ الطريق الوحيدة لتحصيل القناعات العقيدية هوالحوار الفكري المبني على القواعد الجديدة»(3)
_______________________________
1- انظر اقتصادنا: 270 ـ 273.
2- انظر اقتصادنا: و ـ ز ـ ط ـ ي ـ م ـ ن (من مقدمة الكتاب).
3- السيد محمد حسين فضل الله: مقدمة رسالتنا: 15 ـ 16، ذكر في: 134 ـ 135 الحوار الفكري والسياسي ـ المركز الإسلامي للأبحاث السياسية 1985م.
[30]
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الذي صاغه الشهيد يتبنى تاريخ الأمة الإسلامية ويرتبط بالجذور الحضارية للشعوب الاسلامية. وهذا الربط بين الفكر الاجتماعي والتاريخ هو ربط بين هذا الفكر والعقيدة، لأنّ التاريخ يتضمن العقيدة والعقيدة تتضمن التاريخ، على اعتبار أن مسار الأمة تشكل بفضل القيم والمفاهيم التي ـ تتضمنها العقيدة.
يقول الشهيد منتقداً المادية التاريخية:
«... فإنّ الدين هو الإطار الوحيد الذي يمكن للمسألة الاجتماعية أن تجد ضمنه حلّها الصحيح. ذلك أنّ الحل يتوقّف على التوفيق بين الدوافع الذاتية والمصالح الاجتماعية العامة، وهذا التوفيق هو الذي يستطيع أن يقدمه الدين للإنسانية، لأنّ الدين هو الطاقة الروحية، التي تستطيع أن تعوض الانسان عن لذائده الموقوتة التي يتركها في حياته الأرضية أملا في النعيم الدائم، وتستطيع أن تدفعه إلى التضحية بوجوده عن إيمان بأنّ هذا الوجود المحدود الذي يضحي به ليس إلاّ تمهيداً لوجود خالد وحياة دائمة، وتستطيع أن تخلق في تفكيره نظرة جديدة تجاه مصالحه، ومفهوماً عن الربح والخسارة أرفع من مفاهيمها التجارية المادية... وهكذا ترتبط المصالح الاجتماعية العامة بالدوافع الذاتية، بوصفها مصالح للفرد في حسابه الديني».(1)
المضمون الجوهري للفكر الاجتماعي ـ السياسي الإسلامي
الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي كما طرحه الشهيد هو فكر له منهج، إنّه يشكل بناءً نظرياً متكاملا، له وجهته الخاصة في الكون والمجتمع والانسان والتاريخ، فجوهر الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي يقوم فى الاطار التاريخى على تصور مجتمع الخلافة، وفى الاطار الاقتصادي على الملكية المزدوجة (خاصة وعامة) وفى الاطار السياسى على الولاية التى هى دولة ـ الأمة واستمرار لدولة المدينة التي أسسها الرسول صلى الله عليه وآله بأمر من الله تعالى.
فهذه المفاهيم كلّها تشكل مضمون الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي باستمرار بحيث لا يمكن أن يغير عنصر من هذه العناصر دون أن يحدث تغييراً جوهريا وتحولا في كل مرتكزات هذا البناء. وهو تحول يعني، في الحقيقة، المروق عن شرع الله.
فالبناء النظري للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي ليس وليد ظروف اجتماعية واقتصادية، وليس وليد مرحلة تاريخية. بل هو مجموع الثوابت، التي ترتكز عليها عملية التنظير في المجال الاجتماعي ـ السياسي.
الإنسان فاعل في الإسلام ومنفعل في الماركسية
وهذا يعني، في إطار علاقة الانسان بالواقع وبالتاريخ، أنّ الانسان هو الذي يملك مبادرة التغيير، وليست الظروف الاجتماعية أووسائل الانتاج كما هو الحال في الماركسية، التي ترى أنّ المحتوى الداخلي للانسان لا ينمو ولا يتغير إلاّ بعد إحداث تغيير في طريقة الانتاج ونوعية القوى المنتجة، يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر:
«فهو (أي الانسان) بصورة مستقلة عنها لا يمكنه أن يفكر تفكيراً اجتماعياً، أوأن يعرف ما هو النظام الأصلح؟ وإنما القوى المنتجة هي التي تملي عليه هذه المعرفة»(2).
_______________________________
1- اقتصادنا: 285 ـ 286.
2- السيد محمد باقر الصدر: الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية: 16 ـ 17 دار الزهراء الطبعة السادسة ـ 1987م.
[31]
ونتيجة لذلك فإنّ الالتزام بالمصلحة الاجتماعية يزداد نمواً مع زوال الملكية الخاصة، ذلك الزوال الذي يقضي على أنانية الإنسان، والجري وراء مصالحه.
وهكذا فالماركسية ترى أن تغيير المحتوى الداخلي للإنسان، لنزع ميوله الفردية وزرع ميول اجتماعية مكانها هي عملية مرتبطة بعوامل خارجية (الملكية العامة) لا بالقيم الأخلاقية. وفي المقابل نرى عكس ذلك تماماً بالنسبة للنظام الرأسمالي، الذي يربط حرية التملك بالحرية المطلقة، التي ينبغي للانسان أن يتمتع بها. فالحرية وحقّ التملك عنصران مترابطان.
ويرى الشهيد أن الاسلام يتجاوز فكرة الحرية في مفهومها الرأسمالي، بتأكيده على مبدإ الحرية في نطاق محدود بحدود القيم، التي تحافظ على سلامة مسيرة البشرية عبر التاريخ.
أما بالنسبة للعلاقة بين الانسان والظروف الاجتماعية، فالشهيد يرى أن الاسلام لا ينكر تدخل هذه الأخيرة في تشكيل الانسان وتشكيل الفكر الاجتماعي، لكن الإنسان يبقى أساس عملية التغيير لا وسائل الانتاج ونوع الملكية، وبالنسبة للعلاقة بين الفكر الاجتماعي السياسي والمجتمع، فان تأثير العوامل الاجتماعية هو تأثير مضبوط ـ من الناحية الشرعية والمنهجية والمعرفية ـ داخل منطقة الفراغ، التي حدّد الشرع إطارها من جهة، وحسب ثوابت الاسلام حول الكون والانسان والتاريخ من جهة أخرى.
منطقة الفراغ ومنهجية الاستيعاب
يقول الشهيد محدّداً منهجية الاسلام في استيعاب حركة التاريخ: لماذا وضعت منطقة الفراع؟.
والفكرة الأساسية لمنطقة الفراغ هذه، تقوم على أساس: أنّ الاسلام لا يقدم مبادئه التشريعية للحياة الاقتصادية بوصفها علاجاً موقوتاً، أوتنظيماً مرحلياً، يجتازه التاريخ بعد فترة من الزمن إلى شكل آخر من أشكال التنظيم. وإنما يقدمها باعتبارها الصورة النظرية الصالحة لجميع العصور. فكان لابد لإعطاء الصورة هذا العموم والاستيعاب، أن ينعكس تطور العصور فيها، ضمن عنصر متحرك، يمد الصورة بالقدرة على التكيف وفقاً لظروف مختلفة.
ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية، أواهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث. بل تعبر عن استيعاب الصورة، وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة، لأن الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بالشكل الذي يعني نقصاً أواهمالا، وإنما حددت للمنطقة أحكامها، بمنح كلّ حادثة صفتها التشريعية الأصلية، مع إعطاء ولي الأمر صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية، حسب الظروف»(1).
إنّ الفكر الاجتماعي ـ السياسي الرأسمالي والاشتراكي يحمل بذور تشيئ الإنسان وتحوله إلى كائن سلبي نتيجة للإطار العام الذي تشكل فيه الفكر الغربي والمتمثل في انقطاعه عن المطلق.
دور الإنسان في التغيير
إنّ الماركسية، بالنسبة للشهيد، لا تعطي دوراً حاسماً للانسان في التأريخ، لأنّها ترد حركة التاريخ كلها إلى البنية التحتية (الاقتصادية). ولكن الرأسمالية ليست، بالنسبة للصدر، بأحسن من الماركسية في مجال دور الإنسان في تحريك التاريخ، لأنّ الديمقراطية لا تحمل في طياتها علاج مشكلة الانسان. ذلك لأن فكرة
_______________________________
1- اقتصادنا: 638 ـ 641.
[32]
الديمقراطية فكرة توجد في الفراغ لأنّها تفتقد الأساس الحقيقي، الذي يثبتها ويمدّها بالقوة اللازمة لتقوم بدورها في تحريك التاريخ.
فالفاعلية اللازمة لتغيير الواقع تنبع من المحتوى الروحي الداخلي للانسان بالنسبة للفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي. وهنا تتجلّى ثوابت الفكر الاسلامي، التي صاغها الشهيد يفضل الارشادات المنهجية من القرآن الكريم والسنة الشريفة: كالفطرة وسنن الله في الكون. يقول الشهيد مفسراً قوله تعالى: (... إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيّر مَا بِقَوم حَتَّى يُغَيِرُوا مَا بِأَنفُسِهِم...)(1):
«هذه السنة التاريخية للقرآن... بيّنت بلغة القضية الشرطية، لأنّ مرجع هذا المفاد القرآني إلى أن هناك علاقة بين تغييرين: بين تغيير المحتوى الداخلي للإنسان وتغيير الوضع الظاهري للبشرية والانسانية، مفاد هذه العلاقة قضية شرطية، أنّه متى وجد ذلك التغيير في أنفس القوم، وجد هذا التغيير في بناء القوم وكيان القوم»(2).
المحتوى الداخلي والمثل الأعلى
وهكذا المحتوى الداخلي للإنسان هو ـ بالنسبة للشهيد ـ القاعدة والأساس للبناء العلوي، للحركة التاريخية.
إلا أنّ المحتوى الذهني ليس محتوى غائماً مطاطياً بدون شكل. وهنا يتساءل الشهيد: «ما هو المحور الذي يستقطب عملية بناء المحتوى الداخلي للانسانية؟. المحور الذي يستقطب عملية البناء الداخلي للانسانية هو المثل الأعلى»(3).
فالمحتوى الداخلي للانسان كمحرك للتاريخ يحدده المثل الأعلى، يُحدّده ويحدّد مدى امكانياته وطاقاته التغييرية:
«فإنّها جميعاً تنبثق عن وجهة نظر رئيسية إلى مثل أعلى للانسان في حياته، للجماعة البشرية في حياتها. وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد الغايات التفصيلية، وينبثق عنه هذا الهدف الجزئي وذلك الهدف الجزئي. فالغايات بنفسها محركات للتاريخ وهي بدورها نتاج لقاعدة أعمق منها في المحتوى الداخلي للإنسان، وهو المثل الأعلى الذي تتمحور فيه كلّ تلك الغايات، وتعود إليه كلّ تلك الأهداف.
فبقدر ما يكون المثل الأعلى للجماعة البشرية صالحاً وعالياً وممتداً، تكون الغايات صالحة وممتدة، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً أومنخفضاً تكون الغايات المنبثة عنه محدودة ومنخفضة أيضاً».(4)
التطلع إلى المثل الأعلى
_______________________________
1- الرعد: آية 11.
2- التفسير الموضوعي للقرآن: 105.
3- نفس المصدر.
4- نفس المصدر: 145.
[33]
وهكذا ينتهي الشهيد إلى الكشف عن خصوصية مفهوم الصيرورة التاريخية في الاسلام. إنّها صيرورة نابعة من تطلع النسبي إلى المطلق. إنّ نسبية الإنسان لا ينتج عنها إلاّ تطلع نسبي ومثل أعلى نسبي. وهنا يبرز دور الدين، لا في مستوى دفع الإنسان نحو المثل الأعلى فحسب، بل كذلك في تصور المثل الأعلى. فالمثل الأعلى الذي طرحه الدين يقتضي حركةً للتاريخ تفوق كل اطروحات فلسفات التاريخ الغربية، هذه الفلسفات التي تتأسس عليها المذاهب والنظريات الاجتماعية والسياسية تفتقر إلى الواقعية والسمو.
فكلّ فكر اجتماعي يؤمن بالدور الفاعل للانسان يرتبط حتماً بالتطلع إلى المثل الأعلى، فلا يمكن الثورة على الأوضاع وتغيير الواقع دون التطلع إلى ما يجب أن يكون، لكن أهداف هذا التطلع تتسع إلى ما لا نهاية، وتمتد حركة الانسان، تبعاً لذلك، إلى ما لا نهاية إذا كانت (هذه الأهداف) مرسومة من طرف الدين.
فالفكر الاجتماعي ـ السياسي لا يمكن أن يحدث التغييرات المطلوبة بالاعتماد على مجرد التصور البشري للأهداف أوللمثل الأعلى.
فالتصورات المادية للكون والحياة والإنسان، لا يمكنها أن تتجاوز حدود نسبيتها، كما لا يمكنها أن تدفع بالانسان خارج نسبيته. في حين أنّ الدين يفتح مجالا واسعاً للنسبي، كي يتجاوز نقصه بتطلعه إلى المطلق(1).
وهكذا فالنسبية المنبثقة من التصور المادي للكون تحمل في داخلها بذرة فنائها، في حين أنّ النسبية المنبثقة من علاقة عالم الشهادة بعالم الغيب تحمل في داخلها بذرة قوتها واستمراريتها.
مفهوم الخلافة
وهكذا، فالشهيد السيد محمد باقر الصدر قد حلّل مفهوم خلافة الانسان واستنبط القيم والمفاهيم، التي يتمتع بها هذا المفهوم. فالخلافة، في تحليل الشهيد، هي رؤية حضارية متكاملة الأبعاد، تتداخل فيها الجوانب الروحية مع الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية. وقد طرح الشهيد الخلافة كعملية مستمرة الفاعلية في الزمان، ولذلك أصبح مفهوم الخلافة يشكل منظوراً للتاريخ، لأنه مفهوم حركي بتفاعله المستمر مع الواقع المتحرك.
فالخلافة تتطلب رؤية اجتماعية ـ سياسية تختلف جذرياً عن الفكر الاجتماعي الغربي. فهذا الأخير سقط في النزعة الاجتماعية والنزعة التأريخية، فأصبح الإنسان في منظور العلوم الانسانية الغربية مجرد مجموع العلاقات الاجتماعية، ومجرّد نتيجة حتمية لحركة التاريخ.
فالخلافة كما حلّلها الشهيد هي إطار نظري وقيمي لفكر اجتماعي سياسي يولي الأهمية للانسان في عملية التغيير. فالخلافة لا تذيب الانسان في الأرض أوفي المجتمع، بل هو كائن في تحقق مستمر.
انطلاقاً من هذا المفهوم للخلافة صاغ الشهيد الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي خارج الاطار النظري والمنهجي للاشتراكية والرأسمالية اللتين تتناقضان تناقضاً جذرياً مع مفهوم الخلافة. فالرأسمالية تؤدي بحياة الانسان إلى التمحور حول بعد واحد هو البعد المادي، الذي لا يخرج عن الأفق الضيق للعلاقة بين الانتاج والاستهلاك. في حين أن الاشتراكية اضافة إلى بعدها المادي، تذيب الفرد في المجتمع.
_______________________________
1- انظر خلافة الانسان وشهادة الأنبياء ـ السيد محمد باقر الصدر ـ مؤسسة البعثة ـ طهران ـ ايران ـ (بدون تأريخ).
[34]
وعلى العكس من ذلك فالفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي الذي صاغه الشهيد مبني على مبدإ التفاعل بين الفرد والمجتمع بإعطاء الأولوية للجانب الداخلي الروحي في عملية البناء والتغيير. وهذا ما يجعل الانسان جديراً بصنع التاريخ.
وهنا تتجلى قيمة الخلافة كمفهوم وكخلفية معرفية في مجال تنظير فكر اجتماعي ـ سياسي إسلامي. ذلك أنّ الفكر الغربي الذي يؤكد على دور الانسان في حركة التاريخ يقع في التناقض، عندما يجعل هذا الأخير مجرّد نتيجة لعوامل اجتماعية وتاريخية. إنّ الفكر الاجتماعي ـ السياسي المفصول عن الإيمان بالله ليس مؤهلا ـ على الصعيد المعرفي والمنهجي ـ لصياغة فلسفة للتاريخ، يكون فيها الانسان هو أساس الحركة. في حين أن الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي من حيث هو فكر يربط المجتمع بالغيب، ويؤكد على خلافة الانسان، مؤهل لطرح فعالية الانسان ودوره في حركة التاريخ أكثر من أي فكر آخر.
فالخلافة كما طرحها الشهيد معناها أنّ الانسان ليس هذا الجسم فحسب وليس هذا الفكر فحسب. بل هو كائن يتمتع بقوة تؤهله للتعالي على الأوضاع، لينظر إليها من موقع الفاعلية، لا من موقع التأثير المنفعل فحسب.
فالاسلام، بالنسبة للشهيد محمد باقر الصدر، يؤكد على ذات الانسان كقوة داخلية تعبر عن نفسها في المجتمع وفي التاريخ، وهذا التعبير ليس تعبيراً آلياً أحادي الجانب، بل هو نتيجة لعلاقة متبادلة بين الانسان والواقع، علاقة يمتلك فيها الانسان قوة المبادرة وقوة التوجيه، فارتباط الخلافة بالواقع وبالتجربة يعني بالدرجة الأولى أنها صيرورة لا واقع معطي.
وهكذا يمكن القول: إنّ الصدر صاغ منظومة مفهوم الخلافة، منظومة تشكل دعماً قوياً لإعادة بناء الفلسفة الاسلامية، التي يفتقر إليها الفكر الاسلامي المعاصر أشدّ الافتقار، منظومة الخلافة ليست فلسفة مجرّدة بعيدة عن الواقع، لأنّ الانسان الخليفة هو كائن تجريبي يؤثر في التاريخ ويتأثر به كذلك.
يرى الشهيد أنّ مفهوم الخلافة يدفع العقل إلى القيام بوظائفه في كشف السنن المتحكمة في الطبيعة والمجتمع فتحقيق الخلافة لا يتم إلا بتسخير هذه السنن لصالح الانسان، فالخلافة كما حللها الشهيد تتناقض مع التفسير اللاهوتي للمجتمع والتاريخ، ذلك التفسير الذي يعتمد على الغيب بمعناه المبتذل الذي يناقض الخلافة والتسخير.
الغيب القرآني والغيب اللاهوتي
وهذا الموقف هو دحض لنظرية (Auguste Conte) أوجست كونت، الذي يميز بين الحالة اللاهوتية والحالة الوضعية، على اعتبار أنّ في الحالة اللاهوتية تفسر البشرية الظواهر الطبيعية والاجتماعية بقوى غيبية، فتحليل الشهيد لمفهوم سنة الله وخلافة الانسان جعله يحدّد موقف الاسلام من الناحية المنهجية والمعرفية من الفلسفة الوضعية.
يرى الشهيد أنّ علاقة المجتمع بالغيب معناها أنّ الله هو الخالق والسبب النهائي للظواهر ومايحكمها من سنن ثابتة، فالغيب ليس هو السبب المباشر للظواهر في نظرية المعرفة الاسلامية التي استنبطها الشهيد في القرآن الكريم:
«... إنّ السنة التاريخية ربانية مرتبطة بالله سبحانه وتعالى، سنة الله كلمات الله على اختلاف التعبير، بمعنى أنّ كلّ قانون من قوانين التاريخ، فهو كلمة من الله سبحانه وتعالى، وهو قرار ربّاني... وقد يتوهم البعض أنّ هذا الطابع الغيبي الذي يلبسه القرآن الكريم للتاريخ ويجعله يتجه اتجاه التفسير الإلهي للتأريخ،
[35]
الذي مثلته مدرسة من مدارس الفكر اللاهوتي على يد عدد كبير من المفكّرين المسيحيين اللاهوتيين... لكن الحقيقة أن هناك فرقاً أساسياً بين الاتجاه القرآني وطريقة القرآن في ربط التاريخ بعالم الغيب، وفي إسباغ الطابع الغيبي على السنة التاريخية، وبين ما يسمى بالتفسير اللإلهي للتاريخ الذي تبناه اللاهوت، وحاصل هذا الفرق هو أنّ الاتجاه اللاهوتي يتناول الحادثة نفسها، ويربط هذه الحادثة بالله سبحانه وتعالى قاطعاً صلتها وروابطها مع بقية الحوادث، فهو يطرح الصلة مع الله بديلا عن صلة الحادثة مع بقية الحوادث... بينما القرآن الكريم لا يسبغ الطابع الغيبي على الحادثة بالذات، لا ينتزع الحادثة التاريخية من سياقها ليربطها مباشرة بالسماء... بل إنه يربط السنة التاريخية بالله، يربط أوجه العلاقات والارتباطات بالله، فهو يقرّر أولا ويؤمن بوجود روابط وعلاقات بين الحوادث التاريخية، إلا أنّ هذه الروابط والعلاقات بين الحوادث التأريخية هي في الحقيقة تعبير عن حكمة الله سبحانه وتعالى... وبنائه التكويني للساحة التأريخية...»(1).
فهناك فرق بين الرؤية الاسلامية لعلاقة الغيب بالمجتمع وبالتاريخ وبين الرؤية المبتذلة للغيب، تلك الرؤية التي تفسر الظواهر الاجتماعية بالغيب بصفة مباشرة.
مبادئ وأهداف الطرح الإسلامي
إنّ الإسلام ـ بالنسبة للشهيد ـ لم يكتف برسم الغايات الأخلاقية للحياة الاقتصادية والسياسية، بل رسم كذلك المبادئ العامة، وقدم المفاهيم لصياغة مذهب اجتماعي ـ سياسي.
ومعنى هذا أنّ عمليه الاجتهاد لاستيعاب المستجدات لاينبغي أن تنطلق من مبدإ تكييف الاسلام حسب متطلبات العصر، بل تكييف العصر حسب متطلبات الاسلام وهذا ما جعل الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد ينطلق من مقولة التفاعل بين الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية والروحية.
إنّ التركيز على الطرح الاجتماعي للقضايا في اجتهاد الشهيد حرّر الفكر الاسلامي من الطرح التجريئي أو الفردي، الذي كان عائقاً أمام صياغة مذهب اجتماعي إسلامي. فالطرح الاجتماعي للقضايا لا يرتكز فحسب على تصور الفرد الذي يسعى إلى ممارسة متطلبات الشريعة ـ بل يرتكز ـ في الأساس على تصور لنموذج حياة اجتماعية إسلامية، أي في إطار مشروع حضاري إسلامي لا في إطار النظرة التجزيئية.
ولذلك تمت صياغة الفكر الاجتماعي ـ السياسي عند الشهيد من موقع أصول الفقه لا من موقع فقه الفروع. فهذا الأخير تابع لأصول الفقه لا العكس.
أثر الفكر الغربي في فكر الشهيد الصدر
لا شك أن الصراع الايديولوجي والحضاري عند الغرب أثر في فكر الشهيد وجعله يجتهد، ليجابه التحدي بسلاح الخصم. ومن هنا كان طرحه لموقف الاسلام في ميدان الاجتماع والسياسة في مستوى إشكالية الفكر الاجتماعي الاسلامي.
هذا صحيح، إلا أنّ الاعتماد على مبدإ الاجتهاد في التنظير يؤهل الفكر الاسلامي للطرح الشمولي للقضايا، ويؤهله لتنظير المذهب الاجتماعي الاسلامي.
_______________________________
1- التفسير الموضوعي: 77 ـ 78.
[36]
فتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية تنظيماً اسلامياً هو الشرط الضروري، الذي يسمح للأفراد بممارسة واجبات الشريعة الاسلامية.
إنّ الطرح الاجتماعي للقضايا عند الشهيد لا يعني إهمال الفرد أو صياغة المذهب الاجتماعي السياسي الاسلامي في إطار النزعة الاجتماعية، التي تتميز بها العلوم الاجتماعية الغربية فالفرد كما يتجلّى في كتابات الشهيد، يتجاوز إطار الفردية المرتبطة بالمجتمع: هو خليفة الله في الأرض. ومن هنا كانت عملية التغيير تنطلق من البناء الداخلي للفرد لتشمل البناء الاجتماعي.
وهنا تتجلّى. أصالة الفكر الاجتماعي ـ السياسي لدى الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي حرر هذا الفكر الاسلامي من النموذج المعرفي الغربي (الوضعية والنزعة الاجتماعية)، وجعل عملية التنظير تتمّ من منظور متطلبات الشريعة في الميدان المعرفي (أصول الفقه) ومن منظور فلسفي في نفس الوقت.
ولهذا كان المذهب الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي كما صاغه الشهيد يختلف عن كل النظريات والمذاهب الاجتماعية ـ السياسية التي تفصل الانسان عن جانبه الروحي، وتذيبه في كلًّ أكبر منه هوالمجتمع. لا وجود لثنائية في الفكر الاجتماعي ـ السياسي الاسلامي، لأنه لا تقابل بين الفرد والمجتمع، ولا انفصال بين الإنسان وخالقه.
وعلى الرغم من أنّ للفرد روحانيته التي يتعالى بها على المؤثرات الاجتماعية، ليوثر فيها بدوره، إلا أن المجتمع شرط ضروري للوجود الفردي، فكل تحليل لقضايا الفرد ينبغي أن يتم في أفق التحليل الاجتماعي. لكن إذا كانت الحياة الاجتماعية ضرورية للحياة الفردية، فإنّها ليست شرطاً كافياً لهذه الأخيرة. فالمجتمع شرط ضروري لوجود الأفراد وليس شرطاً كافياً.
وهنا تبرز روحانية الانسان الخليفة الذي يختلف عن الإنسان، كما طرحته العلوم الاجتماعية الغربية، وخاصة الماركسية التي جعلته مجرّد مجموع العلاقات الاجتماعية.


صدرية الولاء
مشرفة عامة
مشرفة عامة

عدد المساهمات : 273
نقاط : 828
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 06/10/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى